ثقافة فيلم "طلامس" لعلاء الدين سليم: هناك، بعيدا بعيدا عن زمن القتلة
"سأصنع لك قاربا تسافر به وراء البحار"...
يرسم علاء الدين سليم في فيلمه الجديد "طلامس" طريق رحيل الانسان الباحث عن انسانيته المفقودة. يرسم تلك الخطوات المتعاقبة التي يتقدم بمقتضاها البعض في مسار انتقالهم من القالب المجتمعي الجاهز والمميت الى المدى الفردي المتحرر. فمن حالة الوعي والادراك التي يصور فيها المخرج صمت وسَأم شخصيته الرئيسية الى مرحلة الرحيل بما فيها من انعتاق وفرار ومطاردة، ومنها الى مرحلة الاختراق التي تخصها الكاميرا بمشاهد عبور كبرى لفضاءات المدينة والغابة قبل أن تحلّ الصدفة، صدفة الالتقاء غير المتوقع وما يحمله من ممكن، وبعدها الانسجام الذي يجمع البطلين (عبد الله المنياوي وسهير بن عمارة) والذي يقوم على تجاوز منطق الجسد واللغة، مفاهيم جسّدها المخرج سينمائيا بعجين الغرائبية والتفرد قبل الوصول الى مرحلة الانتفاء او الانصهار في الطبيعة، وهي فكرة تأتي في سياق وترابط مع تيمة فيلمه السابق "آخر واحد فينا".

ويروي علاء الدين سليم قصة هذا المسار الإنساني الانتقالي من خلال حكاية جندي (عبد الله المنياوي) ينفر من واقعه في الجيش فيتمرد عليه بحثا عن شكل حياة جديد. لا يختار تفاصيله ومجراه بالتحديد بل يسعى لابتكاره بعيدا عن قيود المدينة وعنفها ومالها ودينها وحتى تاريخها. تستكين الشخصية الرئيسية في صمت داخلي وخلاق يتدافع مع بدائية الأشياء لإثبات هذا "الذات الآخر" وإمكانية استنباط شكل حياة مغاير.
يأخذ الفيلم في جزئه الأول شكل طريق طويل يغادر بمقتضاه الجندي عمله في الجيش. يتوقف المخرج عند حالة وعي شخصيته الرئيسية، عند سأمها من المنظومة ومن قضاياها، من وقع خطى العسكر، من دم الضحايا، من ذلك الفراغ الوجودي الذي يُثقل كاهلها. في لحظة وعي فارقة، يتخلّص الجندي من زيه النظامي ومن بطاقته العسكرية ليلتحق بشكل حياة جديدة مُنطلقها مسيرة طويلة وسط الأحراش. مسيرة رجل -عار ومُتخل عن كل شيء- يحاول الإفلات من واقع لم يعد له أي معنى. وقد خصّ علاء الدين سليم هذه الفكرة بمشهد سريالي رافقت فيه الكاميرا الشخصية الرئيسية، هذا الرجل المجروح المخترق للمسافات والهارب من أزمنة القتلة، أزمنه التراجيديات الإنسانية وعصور المجتمعات الاستهلاكية والأخرى الغارقة في الدين.
يترك الجندي هذه الأزمنة وهذه الفضاءات خلفه في محاولة لطمسها، لنسيانها حتى يتسنى له فتح مسارات جديدة يستعيد من خلالها شيئا من كنهه المفقود. ولتبيين هذه الفكرة، يلتجئ المخرج الى طلامس الصورة (الضباب، حركة الكاميرا، الموسيقى) والتي ينثرها على عيني المتفرج لاستدراجه في أتون عالم سحري يجمع بين البدائي والحيواني والأنثوي والطبيعي. هذا العالم الذي يتلوّن فيه البحر بألوان قوارب النجاة، وتلبس فيه الغابة جلد الأفاعي التي لا تؤذي، ويخفق فيه قلب فاتنة لوحش آدمي بلا حساب. في هذا المكان، في هذه الهوّة يمكن للحياة ان تكتسي معنا جديدا، ان يكون للروح سبيل للخلاص.

ثم بعد الاختراق والطلامس، تأتي الصدفة التي تضع البطلة الرئيسية (سهير بن عمارة) على طريق الجندي (المنياوي) فتجمعهما ببعضهما البعض. هذه الصدفة التي تُحدث الفارق، التي تنتزع الشيء من اللاشيء، والتي يُعوّل عليها المخرج لإحداث المنعرج. يدخل الفيلم وقتها في مرحلة جديدة، مرحلة يمكن وضعها حتى عنوان الانسجام، ذلك الانسجام الذي يكون فيه اهتمام الطرفين ببعضهما متبادلا ويروق لهما العيش سويّا في أبسط تفاصيله. يتجاوز عندها الجسد مفهومه المتعارف عليه ويفقد تقسيم الأدوار البيولوجي معناه.

يترك علاء الدين سليم هذه الحدود وهذه المفاهيم على حدة مستنبطا اشكالا أخرى للتواصل وللعلاقة مع الآخر. فعندما يكف الحليب عن صدر البطلة مثلا، يتقاطر الحليب من ثدي رفيقها الذي يقوم -هو- حينها بإرضاع الصغير. وحتى اللغة يُخضعها المخرج هي الأخرى الى منطق مخصوص: منطق العيون التي تُعبر وتتخاطب من دون كلام، مفردا ايّاها بسيميائية تحادث جديدة بالإضافة الى لقطات كبيرة ومتبادلة بين عين هذا وذاك. "أتسمعني؟ أتشعر بي؟" تقول عينها لعينه مثلا وغيرها من المشاهد الثنائية التي تضفر الرابطة التي تجمع البطلين، وهما في واقع الفيلم بطلان مضادان يتخليان عن امتيازاتهما للسير في اتجاه معاكس لمنظومة القيم السائدة.
هكذا أراد المخرج لبطلي "طلامس" أن يكونا، فردان على حافة الكون، توّفقا في قطع الحبل السري الذي يربطهما بعالم اليوم القائم على العنف والاستهلاك والدين، ليرميا به في الخلاء قبل ان تتوّغل الكاميرا بسحرية الصورة في عالم منجذب الى الطبيعة والبدائية حيث يكمن كنه الأشياء وحقيقتها.
شيراز بن مراد